الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

71

مناهل العرفان في علوم القرآن

والجواب : أن عامّة البشر ليس لديهم استعداد لتلقى الوحي عن اللّه ، لا مباشرة ولا بواسطة الملك ، حتى لو جاءهم ملك لم يستطيعوا رؤيته إلا إذا ظهر في صورة إنسان ، وحينئذ يعود اللّبس ويبقى الإشكال . فقضت الحكمة أن يجعل اللّه من بنى الإنسان طائفة ممتازة لها استعداد خاص يؤهلها لأن تتلقّى عن اللّه الوحي ، ثم تؤديه في أمانة إلى العامّة من إخوانهم في الإنسانية ، بعد أن وضع اللّه في أيديهم شواهد الحق الناطقة التي تدلّ العالم على مراده سبحانه من تصديقهم ، وبعد أن سلّحهم بالآيات التي تطمئن الناس على أنهم رسل لإنقاذهم وإرشادهم من عند ربهم . ثم إن اختصاص بعض أفراد النوع الإنسانى بالوحي والنبوة ، فيه نوع من الاختبار والابتلاء ، الذي بنى اللّه عليه هذه الحياة ، وميز به الخبيث من الطيب . « يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . وتلك الشبهة يقول اللّه في مثلها من سورة الأنعام : « وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ . وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ . وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » . « الشبهة السادسة » يقولون : كيف تدلّ المعجزة على تصديق اللّه لرسله ، مع أننا ما رأينا اللّه وما سمعناه . والجواب : أن دلالة المعجزة على تصديق الرسول ، كدلالة الكون على خالقه ، مع أننا ما رأينا اللّه وما سمعناه . ولنضرب لهم المثال ، كيلا تبقى لهم شبهة ولا يقوم لهم عذر : افرض أنك حضرت مجلسا عاما فيه ملك من الملوك ، وكان من تقاليد هذا الملك ألا يكشف رأسه في مجلس من المجالس العامة ، وبينما القوم جلوس في حضرة صاحب الجلالة إذ نهض رجل من الحاضرين معروف للجميع بصدقه وأمانته ، وأدبه واستقامته ، وحسبه ونسبه . وإذا هذا الرجل يقول على مرأى ومسمع من المليك ورعيته : أيها القوم إن مولاي الملك حمّلنى هذه الرسالة أبلغكم إياها ، وهي أن تفعلوا